بشرة سوداء أقنعة بيضاء.. بشرة سمراء أقنعة أشعثة غبراء

الغزو الفكري.. من أكثر المصطلحات المستهلكة في الثقافة العربية عامة والثقافة الدينية خاصة. هي احد المصطلحات التي نتعلمها ونرددها في الثقافة المدرسية قبل أن نتعرف على الإنفجار الكبير أو نظرية التطور! تدرج في قاموس الطفل العربي منذ نعومة أظافره.. تختزل دور ومهمة المؤسسة التعليمية البائسة!
مع مرور الزمن أتفهم الآن أن المقصود منها هو الآيدلوجيات الدخيلة… ولكن “المؤسسة” تفضل استخدم لفظ “غزو” لأنة أكثر فاعلية في واقع الحال العربي وأكثر دراماتيكية. فكيف لا والتعامل مع الغزو اصبح مُسَلَمة من أصول الهوية العربية. الغزو اصبح اقرب من الوسواس القهري الذي يسيطر على صاحبة حتى أنة لا يستطيع إجراء عملية حسابية بسيطة أو إستخراج نظرية علمية أو إجتماعية إلا كان للغازي دور فيها فأصبح المواطن العربي من أكثر البشر تبخترا على وجه الأرض لثقافتة وحذاقتة في علوم الأيدلوجيات.

الأقنعة الإغريقية(عبارة تطلق على المسارح اليونانية) هي من أعظم وأكثر أساليب الغزو الفكري فعالية. استطاع الإغريق ثقافتهم من خلال الإقنعة إلى الدويلات المجاورة والمستعمرات.. مع ولادة فن التراجيديات والكوميديات في القرن السادس قبل الميلاد. المهرجانات الدايونيزية (المنسوبة إلى دايونايزس آلهة الخصوبة الإحتفال) تحولت إلى مهرجان مقدس للبهجة والسعادة في المستعمرات تخلد قصص الإغريق على المسرح وتبث معايير الإغريق للجمال وحكمهم وأساطيرهم من خلال الفن والإحتفالات. والأهم من هذا هو ولادة فن التراجيديا والكوميديا الذي هو أكثر الأدوات الفنية تأثيرا في الوعي الإنساني كما يقول الفيلسوف الألماني هيغل. فهو تنفيس عن المشاعر وتطهير للعواطف السلبية في ساحة المسرح الفني قبل العودة إلى الحياة الطبيعية.
تناقض الإتجاة في المقدمة واضح وهو مقصود… هل التحليل عبارة عن معاكسة للفكر الغربي عن طريق نقد الذات أم هو تبرير لبؤس الحال العربي من خلال نقد التاريخ الإستعماري؟ هذا هو نفس المخرج الذي سلكة ومعضلة الفيلسوف الوجودي الفرنسي/ الجزائري وعالم النفس والإجتماع فرانتز فانون.

في ثنائية فرانتز فانون في البحث عن معضلة العلاقة الداخلية/ الخارجية بين المستعمر والمعمر والعلاقة الداخلية / الداخلية بين السُلطة البديلة مع الشعب في كتابان وهم ١:المعذبو في الأرض ٢: بشرة سوداء أقنعة بيضاء، يبحث في سيكلوجية العلاقة بين المعمر مع المستعمر ودور العنف كأداة لإثبات الهوية والوصول إلى كرامة وحفض ماء الوجة في أحد أكثر المؤلفات جدلآ في عام ١٩٥٢. فما كان من الحكومة الفرنسية إلا منع بيع الكتاب. الكتاب يحلل شخصية الزنج في تعاملهم مع المستعمر الأوربي الأبيض وكيف تسيطر الهوية البيضاء على الشخص الأسود فتستبدل البشرة السوداء بأقنعة بيضاء تقيس نفسها بمعايير هذا القناع الأبيض. وتستبدل السُلطة الإستعمارية بسُلطة ترتدي أقنعة بيضاء تتصل مع ذاتها من خلال هذا القناع الأبيض وتبرر وجودها في خدمة هذا القناع وتستخدم العنف في من لا يرتدي القناع عوضا عن العنف بإتجاة المستعمر. هذه الدراسة تندرج تحت معايير فانون الزمانية المكانية بدون أدنى شك ولكن الحال العربي هو امتداد لهذه السيكولوجية. إذا كانت هناك كلمة تختزل الحال العربي الحالي فكلمة” عنف” هي الكلمة الأفضل لوصف الحال العربي البائس.. خصيصا الحال العربي/العربي.
العنف الإستبدادي السلطوي يواجه بعنف ثوري…
العنف الطآئفي للأكثرية يواجه بعنف وإرهاب الأقلية… حتى يصبح العنف هدفا وصفة مركزية للفرد والجماعة امتدادا من العنف الإستعماري إلى عنف أكثر منه بشاعة وأكثر وحشية وهو العنف الطآئفي المذهبي في سلسلة من الأقنعة. ابتداء من الأقنعة البيضاء التي تتعامل مع الفرد تحت مفاهيم استعمارية لخدمة نفسها إلى أقنعة قومية بملامح عربية أكثر وحشية بأسم السُلطة والنهضة الأممية مستمدة الأيدلوجيات للتخوين من الدول المجاورة والأجناس بحسب التفاوت والتقارب لهذا القناع. وبعد فشل هذا القناع الأسمر تبنينا أسواء الأقنعة تناقضآ وهو قناع أشعث أغبر تظهر عليه ملامح الحكمة والزهد وهو في الحقيقة أكثر الأقنعة أنانية ووحشية أشدهم ديكتاتوريه. هي أقنعة تختزل الهوية التاريخية بقيم طهورية تمارس استبدادها وتخويفها من الأفراد عوضا عن الدول والأجناس تتشابه صفاتها مع صفات القرد أو الحيوان البدائي الذي يهز عضوه لإثبات خصوبتة فأصبح هذا القناع هو الهوية والمرجعية والغاية. إعتدنا على القناع حتى أصبحنا نشعر بالخزي بدونه ووجوهنا تصاب بالبرد بدون دفئه…. وتستمر المسرحية السياسية تحدد و تعين الأدوار والأقنعة خلف كواليس المسارح الأخلاقية.

دعونا نترك الأقنعة جانبا.. قبل أن ننحاز لقناع.. قبل المقارنة.. قبل أن نحكم أيهم الأجمل.. أيهم الأنسب.. أيهم أكثر تعبيرا ونعود إلى الذات فثقافة الأقنعة قتلت ثقافة الذات كما يسميها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو. أو السقوط إلى جوهر الذات الذي لا يتم إلا بعد مرحلة من الإحباط كما يصفها هايدغر. أو الإنشغال بالذات كما يصفها سينيكا. أو الإرتداد إلى النفس كما يصفها سقراط أو الإعتزال كما يصفها التراث الإسلامي. … السقوط على الذات هو ليس بتجربة دينية روحانية وليس مرحلة تعليمية تطويرية وإنما مرجعية أنطلوجية وجودية!
كما يقول سقراط : إشغل نفسك بنفسك لنفسك… الأقنعة الإغريقية انتشرت على خشبة المسرح منذ أكثر من ٣٠٠٠ سنة تجسد التراجيديات والكوميديات الإنسانية…. فهي افضل من الكوميديا السوداء التي تصف الواقع الشرق أوسطي.

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>